السيد الطباطبائي

91

تفسير الميزان

( بيان ) قوله تعالى : إن الله لا يستحيي أن يضرب ، البعوضة الحيوان المعروف وهو من أصغر الحيوانات المحسوسة وهذه الآية والتي بعدها نظيرة ما في سورة الرعد ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمي إنما يتذكر أولوا الألباب . الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) الرعد - 19 ، 20 ، 21 . وكيف كان فالآية تشهد على أن من الضلال والعمى ما يلحق الانسان عقيب أعماله السيئة غير الضلال والعمى الذي له في نفسه ومن نفسه حيث يقول تعالى : وما يضل به إلا الفاسقين ، فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدما عليه هذا . ثم إن الهداية والاضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة والخذلان التي ترد منه تعالى على عباده السعداء والأشقياء ، فإن الله تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عبادة بأنه يحييهم حياة طيبة ، ويؤيدهم بروح الايمان ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويجعل لهم نورا يمشون به ، وهو وليهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه ، والملائكة تنزل عليهم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك . ووصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات ويختم على قلوبهم ، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، ويطمس وجوههم على أدبارهم ويجعل في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ، ويجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فيغشاهم فهم لا يبصرون ، ويقيض لهم شياطين قرناء يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ، ويزينون لهم أعمالهم ، وهم أوليائهم ، ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون ، ويملي لهم أن كيده متين ، ويمكر بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون . فهذه نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين وظاهرها أن للانسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ذات أصول وأعراق يعيش بها فيها ، وسيطلع ويقف عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحجاب ، ويظهر